الخطيب الشربيني

150

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

[ سورة القمر ( 54 ) : الآيات 35 إلى 55 ] نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ ( 35 ) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ ( 36 ) وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ ( 37 ) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ ( 38 ) فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ ( 39 ) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 40 ) وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ ( 41 ) كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ( 42 ) أَ كُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ ( 43 ) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ( 44 ) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ( 45 ) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ ( 46 ) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ( 47 ) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ( 48 ) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ( 49 ) وَما أَمْرُنا إِلاَّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ( 50 ) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 51 ) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ ( 52 ) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ( 53 ) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ( 54 ) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ( 55 ) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ أي : وهم في قوة عظيمة على ما يحاولونه ، وإن كانوا في تكذيبهم هذا أضعف من عقول النساء عن التجرد عن الهوى بما دلّ عليه تأنيث الفعل بالتاء ، وكذا ما قبلها من القصص بِالنُّذُرِ أي : بالأمور المنذرة لهم على لسان نبيهم لوط عليه السلام . ودلّ على تناهي القباحة في مرتكبهم بتقديم الأخبار عن عذابهم ، فقال تعالى مؤكدا توعدا لمن استمرّ على التكذيب إِنَّا أي : بما لنا من العظمة أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً أي : ريحا شديدة ترميهم بالحصباء ، وهي صغار الحجارة الواحد دون ملء الكف فهلكوا إِلَّا آلَ لُوطٍ وهم من آمن به ، فكان إذا رأيته فكأنك رأيت لوطا عليه السلام لما يلوح عليه من أفعاله ، والمشي على منواله في أقواله وأفعاله نَجَّيْناهُمْ أي : تنجية عظيمة بِسَحَرٍ أي : بآخر ليلة من الليالي ، وهي الليلة التي عذب فيها قومه ، « وانصرف » لأنه نكرة لأنا لا نعرف تلك الليلة بعينها ، ولو قصد به وقت بعينه لمنع الصرف للتعريف ، والعدل عن أل هذا هو المشهور ، وزعم صدر الأفاضل : أنه مبني على الفتح كأمس مبنيا على الكسر . تنبيه : قال الجلال المحلي : وهل أرسل الحاصب على آل لوط أو لا : قولان ؛ وعبر عن الاستثناء على الأوّل بأنه متصل ، وعلى الثاني بأنه منقطع ، وإن كان من الجنس تسمحا . وقوله تعالى : نِعْمَةً أما مفعول له ؛ وإمّا مصدر بفعل من لفظها أو من معنى نجيناهم لأن تنجيتهم ، إنعام فالتأويل : إمّا في العامل ، وإمّا في المصدر . وقوله تعالى : مِنْ عِنْدِنا متعلق بنعمة ، أو بمحذوف صفة لها . كَذلِكَ أي : مثل هذا الإنجاء العظيم الذي جعلناه جزاء لهم نَجْزِي مَنْ شَكَرَ أي : من آمن بالله تعالى ، وأطاعه قال بعض المفسرين : وهو وعد لأمة محمد صلى اللّه عليه وسلم بأنه يصونهم عن الهلاك العام ؛ وقال الرازي : ويمكن أن يقال : هو وعد لهؤلاء بالثواب يوم القيامة كما أنجاهم في الدنيا من العذاب ، لقوله تعالى : وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ [ آل عمران : 145 ] وقال مقاتل : من وحد الله تعالى لم يعذبه مع المشركين . وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ أي : رسولنا لوط عليه السلام بَطْشَتَنا أي : أخذتنا المقرونة من الشدّة بما لنا من العظمة ، وهي العذاب الذي نزل بهم ، وقيل : هي عذاب الآخرة لقوله تعالى : يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى [ الدخان : 16 ] فَتَمارَوْا أي تجادلوا وكذبوا بِالنُّذُرِ أي بإنذاره فكان سببا للأخذ . وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ أي أرادوا أن يخلي بينهم وبين القوم الذين أتوه في صورة